أحمد مصطفى المراغي
24
تفسير المراغي
وأما الميسر فهو مثار العداوة والبغضاء بين المتقامرين ، فإن تعداهم فإلى الشامتين والعائبين ومن تضيع عليهم حقوقهم من الدائنين وغير الدائنين ، وكثيرا ما يفرّط المقامر في حقوق الوالدين والزوج والأولاد حتى يوشك أن يمقته كل أحد . والميسر مع ما فيه من التوسعة على المحتاجين ، فيه إجحاف بأرباب الأموال ، لأن من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه رجاء أن يغلب فيه مرة أخرى ، وقد يتفق ألا يحصل له ذلك إلى ألا يبقى له شئ من المال ، ولا شك أنه بعد ذلك سيصير فقيرا مسكينا ، ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا له غالبين . وأما صد الخمر والميسر عن ذكر اللّه وعن الصلاة ( وهما مفسدتهما الدينية ) فذلك أظهر من كونهما مثارا للعداوة والبغضاء ( وهما مفسدتهما الاجتماعية ) لأن كل سكرة من سكرات الخمر ، وكل مرة من لعب القمار تصد السكران واللاعب وتصرفه عن ذكر اللّه الذي هو روح الدين ، وعن الصلاة وهي عماد الدين ، إذ السكران لا عقل له يذكر به آلاء اللّه وآياته ، ويثنى عليه بأسمائه وصفاته ، أو يقيم الصلاة التي هي ذكر اللّه ، ولو ذكر السكران ربه وحاول الصلاة لم تصح له ، وكذلك المقامر تتوجه جميع قواه العقلية إلى اللعب الذي يرجو منه الربح ويخشى الخسارة ، فلا يتوجه همه إلى ذكر اللّه ولا يتذكر أوقات الصلاة وما يجب عليه من المحافظة عليها . وقد دلت المشاهدة على أن القمار أكثر الأعمال التي تشغل القلب وتصرفه عن كل ما سواه ، بل يحدث الحريق في دار المقامر أو تحل المصائب بالأهل والولد ويستغاث به فلا يغيث بل يمضى في لعبه ، والنوادر في ذلك كثيرة . إلى أن المقامر إذا تذكر الصلاة وترك اللعب لأجلها فإنه لا يؤدى منها إلا الحركات بدون أدنى تدبر أو خشوع ، لكنه على كل حال يفضل السكران إذ أنه لا يكاد يضبط أفعال الصلاة . واللعب بالشّطرنج أو بالنرد إذا كان على مال دخل في الميسر وكان حراما ، وإذا